محمد رأفت سعيد
170
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « التكاثر » وهي مكية في قول جميع المفسرين غير أن البخاري رحمه الله روى أنها مدنية « 1 » . وهذه السورة الكريمة تعالج ظاهرة إنسانية تستبد بالإنسان عندما يغفل وينسى مصيره ، وهي ظاهرة التكاثر ، وهذا التفاخر من الأمور التي تقف عقبة في طريق إسلام الناس واتباعهم للهدى . قال ابن عباس ومقاتل والكلبي : « نزلت في حيّين من قريش : بنى عبد مناف ، وبنى سهم ، تعادّوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام ، فقال كل حىّ منهم : نحن أكثر سيدا وأعزّ عزيزا ، وأعظم نفرا ، وأكثر عائذا ، فكثر بنو عبد مناف سهما ، ثم تكاثروا بالأموات ، فكثرتهم سهم فنزلت : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) يعنى بأحيائكم فلم ترضوا حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ( 2 ) مفتخرين بالأموات ، وروى سعيد عن قتادة قال : كانوا يقولون : نحن أكثر من بني فلان ، ونحن أعدّ من بنى فلان ، وهم كلّ يوم يتساقطون إلى آخرهم والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم ، وعن عمرو بن دينار : حلف أن هذه السورة نزلت في التجار « 2 » . وأما على ما روى البخاري رحمه الله من أنها مدنية فيأتي قول مقاتل وقتادة وغيرهما : نزلت في اليهود حين قالوا : نحن أكثر من بنى فلان ، وبنو فلان أكثر من بنى فلان ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلّالا ، وقال ابن زيد : نزلت في فخذ من الأنصار ، وعن شيبان عن قتادة قال : نزلت في أهل الكتاب « 2 » ، وعلى ذلك فإن السورة الكريمة مع كونها مكية على قول جميع المفسرين - كما سبق - فإنها تعم جميع ما ذكر وغيره وتعالج في الإنسان هذه الظاهرة الخطيرة منذ وقت مبكر ففي صحيح مسلم عن مطرّف عن أبيه قال : أتيت النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ : « ألهاكم التكاثر » قال : « يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » وفي رواية أبي هريرة في مسند آخر : « وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس » . وروى البخاري رحمه الله عن ابن شهاب : أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله
--> ( 1 ) القرطبي 20 / 168 . ( 2 ) المرجع السابق 20 / 168 ، 169 .